السبت، 7 أبريل 2012

ارتباط عيد المظال والتجديد باحد السعف


ارتباط عيدي المظال والحانوكاه (التجديد)
بروايات الانجيل لأحد السعف

يشتمل طقس الاحتفال بعيد المظال (او عيد سكوت), كما كان يُـحتفل به في العهد المتأخر للهيكل الثاني علي عناصر لم تكن قد سجلت في الكتاب المقدس, وبعضها قد انتهي العمل به مع خراب الهيكل. ويُـعرف القانون  الرابيني طقس العيد بأن يسكن الشخص في المظال لمدة اسبوع, وايضا تناول الطعام والنوم تحتها, ويصف طريقة عمل المظلة واللولاف (حزمة من السعف, الآس, وفروع الصفصاف, مع نبات الريحان) ويلوح بها الشعب اثناء الاحتفال, مع انشاد جزء من مزامير الهليل. هناك بعض المراسم الاخري التي اصبحت شائعة 1.ضرب الصفصاف, 2.سكب المياه, 3.الرقص علي الانوار. (وهذه الاشارات قد وجدت في روايات الانجيل).

1. طقس ضرب الصفصاف
لا يزال معمولا به في احتفال عيد المظال في المجامع اليهودية (رغم ان معناه واصوله مجهولين). ففي زمن الهيكل كانت الجموع تقطع اغصاناً طويلة من الصفصاف وتسير في موكب حول المذبح طوال اليوم, وهم ينشدون مزمور (118: 25) " اه, يا رب خلص. اه, يا رب انقذ". وهناك تقليد يقول (طوال اليوم يطوفون حول المذبح مرة واحدة) ويضيف رابي يهوذا تقليد اخر (في هذا اليوم الاخير يطوفون سبع مرات).

2, 3. طقسا المياه والانوار
كانا هذان الطقسين معروفان ايضاً , برغم توقف العمل بهما بعد خراب الهيكل. ويرجع الاسم (بيت استقاء الماء) او (بيت الينبوع) الي احتفال الانوار, لكنه يرتبط اكثر باحتفال المياه.
يبدأ طقس المياه, حين يجمع الكاهن مياه من بركة سلوام ويحمله الي الهيكل. يرافقه حشد من الجموع ويصاحبه نفخ الابواق. وعند المذبح يُـسكب الماء, وفي نفس الوقت يُـسكب بعضاً من الخمر. من وعائين منفصلين.
اما طقس الانوار, فيشمل اقامة وانارة شمعدانين عملاقين من الذهب في رواق سليمان, مع رقص الحسيديم (جماعة التقاة) ورجال العمل وهم يحملون المشاعل علي موسيقي الفلوت وآلات اخري (يعرف هذا الاحتفال باسم الفلوت). وكان النور يمكن ان يُـري من كل مكان في اورشليم.

المياه والانوار في انجيل يوحنا
البرهان المبكر الذي نملكه لطقسي المياه والانوار هو انجيل يوحنا, الذي سجل ان يسوع كان في الهيكل اثناء عيد المظال عندما اعلن ان المسيح هو مصدر الماء الحي (يو7: 37, 38) وايضا ان المسيح نور العالم (يو8: 12). وهذان الحدثان يشيران للطقس التوأمي لطقسي سكب المياه والانوار.
ولقد صرح المسيح بهذين الاعلانين "في اليوم الاخير العظيم من العيد" (يو7: 37) وهذا يشير الي ان الحديث تم في اليوم الثامن العيد, مثل طقس السبت عند اليهود, وهذا يعني ان الحشود كانت غفيرة اكثر من اي يوم, ولما كانت الجموع تنتظر اتمام الطقس (المياه والانوار) وهي لم تكن تتم في اليوم الثامن من العيد. وهذا هو الوقت المناسب ليسوع ان يُـصرح باعلانه.

الانشاد في عيد المظال
لا تذكر المشناه (اي, الاحكام المستمدة من العهد القديم ومن اقوال المُـفسرين له) اي انشاد يتم اثناء التلويح باللولاف, والذي كان نسخة طبق الاصل من الانشاد اثناء حملهم بالصفصاف, (مز118: 25). وربما استمر انشاد المزامير الي الاية 26 من نفس المزمور "مبارك الآتي باسم الرب" لانها كانت نشيد معروف ايضاً.
ليس هناك في طقس عيد المظال "ضرب الصفصاف" ما يجعله مناسب لانشاد (مز118: 25) لذا فمن المحتمل انهم استخدموا هذه الاناشيد لانهم صاحبوها بالتلويح بالاغصان.

الانشاد في يوم احد السعف
الاناشيد التي قيلت في يوم احد السعف ربما كانت تماثل (مز118: 25) التي كانت تُـنشد اثناء التلويح باللولاف. كان الجزء الاول من النشيد "نرجوك يارب, خلصنا" (اني هاشِم هوشيعيا نا). سجلت الاناجيل الجزء الاخير من هذا النشيد بكلمة (اوصنا) (مر11: 9, مت21: 9, يو12: 13) وهي تماثل فعل الامر الحديث من "هوشعنا". ونحن لا نعلم اذا كانت الجموع هل قامت الجموع بتحديث فعل الامر العبري هذا, ام انهم فقط تلفظوا الكلمة بطريقة غير واضحة. لذا الفريسيين والمتعلمين من الذين سمعوا قد ازدروا بالجموع الجاهلة لنطقهم كلامات الكتاب المقدس بطريقة خاطئة.
النشيد الاخر المُسجل في رواية الانجيل عن احد السعف "مبارك الآتي بأسم الرب" (مت21: 9, مر11: 9, لو19: 38, يو12: 13) وهو الجزء التالي من المزمور 118, وتشير التقاليد التلمودية عن انشاد هذا النشيد, اذا بدأ شخص في انشاد احد الاناشيد, كان من غير التقوي ان يتجاهله الاخرون, لذا كان يجب ان يشتركوا معه ويُـكموا الانشاد, حتي لو بدأ النشيد قلة, او كان مجرد طفل. لو بدأ شخص وقال "مبارك هو"  ترد الجموع "الآتي باسم الرب".
ومن جواب يسوع علي الفريسيين في (لو19: 40) يلمح الي (مز118) فيقول ان مُـنع التلاميذ عن التسبيح "فالحجارة تصرخ". وبالتحليل للايتين من (مز118: 21, 22) فان يسوع يشير الي ان من قيل عنه "استجبت لي و صرت لي خلاصا" في الاية 21, هو مطابق لـ "الحجر الذي رفضه البناؤون" في الاية 22. فلقد اردك الفريسيون ان الذين رفضوا تشير ضمنيا اليهم, بالاضافة الي دعوة يسوع انه سيصير رأسا ً للزاوية. وهذا اكد لهم خطورة يسوع وان عليهم اسكاته.

الشخصية الملكية المُـشار اليها في احد السعف
ان تكرار الاشارة الي الشخصية الملكية "ابن داود" (مت21: 9, 15), "مملكة ابينا داود" (مر11: 10), "مبارك الملك" (لو19: 38), "ملك اسرائيل" (يو12: 13). هذا التكرار كان يشير الي شخثية ملكية مسيانية, وكان هذا  معتاد في اليهودية وايضا ً في مخطوطات قمران. وحتي بدون هذه الاشارات فنبوة (زكريا9: 9)  قد القي عليها كتبة الاناجيل الضوء (مت21: 5, يو12: 15).
وايضا هناك تشابهاً قوياً لموقف حاكم جديد لاورشليم وتلويح الشعب بسعف النخيل, قد حدث مرتين, الاول عندما طهر يهوذا المكابي الهيكل واعاد تكريسه عام 165 ق.م, بعدما هزم انطيوخوس (2مك10: 6- 8). والمرة الثانية عندما اعلن سمعان المكابي نفسه حاكما ً علي اورشليم عام 141 ق.م (1مك13: 51). وقد حفظت هذه الاحداث في الوجدان الشعبي, وكان من المستحيل ان يكون قد فات كتبة الانجيل هذا الحدث او قارئي الانجيل تلك الرموز, ولو ان صورة الملك تلطفت بركوب جحشٍ بدلاً من فرس (مت21: 2- 7) وتظهر الرمزية بالنسبة ليهوذا المكابي لان دخول يسوع اورشيم تبعه تطهير الهيكل كما فعل يهوذا المكابي بعد ان دنس انطيوخس الهيكل.

احتفالات الحانوكاه وعيد المظال
هو الاحتفال باعادة تكريس الهيكل في 25 كسلو 165 ق.م ووصف العيد نجده مذكورا ً في سفر المكابيين:
" فعيدوا ثمانية ايام بفرح كما في عيد المظال و هم يذكرون كيف قضوا عيد المظال قبيل ذلك في الجبال و المغاور مثل وحوش البرية. و لذلك سبحوا لمن يسر تطهير هيكله و في ايديهم غصون ذات اوراق و افنان خضر و سعف" (2مك10: 6- 7)
ان احتفالات الحانوكاه تشبه احتفالات عيد المظال, او بعض المظاهر من عيد المظال. او يُـحتفل به خلال احدي الاحتفالات الاضافية لعيد المظال.
مع القرن الاول, اصبح الاحتفال بالحانوكاه, عيدا ً منفصلا ً, كما ذكر يوحنا البشير (يو10: 22) الذي دعاه "عيد التجديد", ربما كاختصار لـ "تكريس المذبح" (1مك4: 59). ولكن حتي بعد الاحتفال به كعيد خاص, فان ارتباطه بعيد المظال كان قد ترسخ بالفعل:
"وبعد فاذ كنا مزمعين ان نعيد عيد تطهير الهيكل في اليوم الخامس و العشرين من شهر كسلو راينا من الواجب ان نعلن اليكم ان تعيدوا انتم ايضا عيد المظال و النار التي ظهرت حين بنى نحميا الهيكل و المذبح و قدم الذبيحة" (1مك1: 18)
ومن المرجح انه بعد خراب الهيكل وفقدان الشمعدنات العملاقة, عاد احتفال الانوار ليعد الحانوكاه, الذي كان يحتفل به كمراسم عائلية وفي المجامع اليهودية. وتدريجيا ً بدأ يُـنسي الارتباط بين عيد المظال والحانوكاه. وظل فقط قليل من التشابه مثل, الهليل.

هل احد السعف يشبه عيد المظال او الحانوكاه؟
تحتوي روايات الانجيل عن احد السعف علي بعض التفاصيل التي تشبه الاحتفال بعيد المظال, والاحتفال المبكر للحانوكاه, اي الترتيل من المزمور 118 والتلويح بالاغصان. ولا يُـعتبر الركوب علي اتان او فرش الطريق بالثياب والاغصان, مظاهر من مظاهر العيد. برغم انها كانت ذكري للاحتفاء بسمعان ويهوذا المكابي (التي احتفلت بها الحانوكاه). وما اعقب ذلك من تطهير المسيح للهيكل مثل سمعان ويهوذا المكابي.
الا ان كتبة الانجيل تعمدوا عدم ذكر هذا التشبيه, رغم معرفة الناس الجيدة بهذا الحوداث, لان الرومان كانوا متخوفين من اي حماسة قومية.

                              دكتور ديفيد اينستون
استاذ الادب الرابيني والعهد الجديد- جامعة كمبريدج
عن مجلة مدرسة الاسكندرية العدد1: 87 - 105



الخميس، 1 مارس 2012

المزمور الاول

المزمور الاول

طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِف وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ.
لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً.
فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِيِ الْمِيَاهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِه وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ.
لَيْسَ كَذَلِكَ الأَشْرَارُ لَكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ.
لِذَلِكَ لاَ تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ وَلاَ الْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ الأَبْرَارِ.
أَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ.

هو من مزامير داود، كتبه عندما طلب شاول، ملك اسرائيل، النصيحة من الله فلم يجبه. فسأل صموئيل النبي بعد موته، عن طريق السحر والعرافة. (1صم28: 7).
+بداية السفر والمزمور، الطوبي، وهي نفس البداية التي بدأ بها السيد المسيح حديثه في انجيل القديس متي(ص5). وهي تعبر عن السعادة والفرحة الروحية. والسيد المسيح، كما سنعرف، ترنم بالمزامير طول ايام حياته وحتي في صلبه، لكثرة النبوات بها، ولعمق صلواتها.
+ويضع المزمور بكلماته البسيطة امام الانسان طريقين وهدفين. كما يقول موسي النبي ’’اشهد عليكم اليوم السماء و الارض قد جعلت قدامك الحياة و الموت البركة و اللعنة فاختر الحياة لكي تحيا انت و نسلك’’ (تث30 :19)، الطريق الاول هو الذي يسلك فيه الانسان مع الله، حيث يسير مستغرقا ً في حياة روحية مع الله سائرا ً علي قانون (ناموسνομος ) روحي من قراءة للكتاب المقدس وصلاة وصوم. وان يصير قانونك هو عملك الروحي ليلا ً ونهاراً، وحينها تهتف مع عذراء النشيد ‘‘انا نائمة و قلبي مستيقظ’’ (نش5: 2). وهكذا تصير حياة هذا الانسان مليئة بالفرح والتعزية التي يسكبها الله في قلبه، الي ان يأتي يوم الدينونة (الهدف) فيسمع ‘‘تعالوا يا مَبَاركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تاسيس العالم’’ (مت25 :34 ).
+ونجد مثل هذا الانسان دائما ً ناجحا ً (في بيته، وسط اصدقائه، في دراسته، في عمله) كما كان يوسف ناجحا ً(تك39 :2). وتجد مثل هذا الشخص مثمر في كل ما عمل يعمله لان الرب يعضده وينجحه (تك39 :3).
+وايضا ً يشير المزمور الي طريق الاشرار ويشرح المرتل كيف يسلك الانسان فيها فهو اولا يفكر ويسلك في الشر، ثم يشير الوقوف في طريق المنافقين الي عمل الشر، ثم مجلس المستهزئين يشير الي اغراء الاخرين وتعليمهم الشر ليعملوه.
+لم يقل المزمور طوبي للرجل الذي لم يخطئ، بل قال طوب الرجل الذي لم يستمر في خطيته. لاننا ’’إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا‘‘(1يو1 :8). ولكن الطوبي تظهر لنا حين نقاوم السقوط في الخطية حين نقر بضعفنا ونطلب معونة الله ’’اِرْحَمْنِي يَا اللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ .. اغْسِلْنِي كَثِيراً مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي .. لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً‘‘ (مز50: 1-3)
+وايضا ً ان الصلاة لا تكون نهاراً فقط بل ليلاً ايضا ً، ففترة الليل هي مناسبة للحوار مع الله، وكما صارع يعقوب قديما يصبح كلاً منا يعقوب جديد يصارع ويأخذ البركة. والصلاة ليلا ً هي وصية كتابية اعادها المسيح علي مسامعنا من داود ’’اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة‘‘ (مت 26: 41)
+ونلاحظ ايضا ان الرياح التي تؤثر علي الاشرار وتذريهم، اي لا تثبت خطواتهم ولا تقربهم من مصدر الحياة، النهر، الذي يرتوي منه الانسان البار المطوب. ولا تجد اي ثمر للاشرار وحتي ان ظهرت اي ثمار، فهي محاولة لاغراء واستمالة الانسان البار الي هذا الطريق.
+واخيراً. لنلاحظ ان الله يعطي الانسان حريته كاملة، في اختيار طريقه وفي سلوكه. وعلي كل انسان ان يـُعين هدفه ’’السالك بالكمال يخلص و الملتوي في طريقين يسقط في احداهما‘‘ (ام  28: 18). ويحذر’’لاَ تَدْخُلْ فِي سَبِيلِ الأَشْرَار ِ.. لأَنَّهُمْ يَطْعَمُونَ خُبْزَ الشَّرِّ  .. أَمَّا سَبِيلُ الصِّدِّيقِينَ فَكَنُورٍ مُشْرِقٍ يَتَزَايَدُ وَيُنِيرُ إِلَى النَّهَارِ الْكَامِلِ‘‘ (ام4: 17و18)
+ونلاحظ ان المزامير 1؛ 19؛ 119 تُسمى مزامير التوراة Torah Psalm.

السبت، 18 فبراير 2012

سر التقوي

                                ان سر التقوي العظيم (الله الظاهر في الجسد, هو اعجب الاسرار التي رأتها البشرية ولم تستطع فهم كيف تم, كيف اتحد اللاهوت بالناسوت, كيف كان ينمو الاله المتجسد,كيف بيداه العارية المجرده من اي سحر او تعاويذ استطاع ان يصنع هذه المعجزات, كيف كان ينام في باطن السفينة ويدير الكون, والاصعب كيف كان في القبر ميتاً و هو الاله. الكثير من الاسئلة تدور في عقول البشر اجمعهم تسأل كيف, بل حتي الطغمات الساقطة تسألت وتشككت في طبيعة هذا الانسان. انه يسوع المسيح.


                                قبل ان نتحدث عن هذا السر العظيم يلزمنا ان نعرف, لما تحتم تجسد كلمة الله الازلي وصيرورته في جسم بشري؟ واجابة هذا السؤال تتصدر صفحات الكتاب المقدس الاولي حين أكل ابوانا الاولان من الثمرة المحرمة (تك3: 3), وقد سبق الله فحذر آدم الا يأكل من هذه الشجرة لان العقوبة هي الموت (تك2: 17). واستطاعت الحية, ابليس, ان يسقط حواء ثم آدم في الخطية وكسر الوصية. واستحق ادم وامراته العقاب.

                                اولا العقاب: العقاب الواقع علي ادم وبنيه هو الموت لان "اجرة الخطية هي موت" (رو6: 23). الموت الروحي وهو الانفصال عن الله مصدر الحياة. الموت الجسدي وهو ان عوامل الانحلال بدأت تدب في الجسد الانساني, ورغم ان آدم لم يمت في مباشرة لكنه كان تدبير اللهي كي يعد الفداء للانسان, الموت الادبي وهو فقدان الانسان مجد الصورة الالهية داخله وفقد هيبته ووقاره, وطرد من الجنة. ومن العقوبات التي فرضها, لعن الله للحية, وحواء بالاتعاب في الولادة والاشتياق الي رجلها, ولآدم بالتعب في حياته كلها والعودة الي التراب, وايضاً تسلُـط الشيطان
علي البشرية كلها بسبب فساد الطبيعة.

          ثانيا خطة الخلاص بدأت عقب هذه الترتيبات, التي ظنها الانسان عقوبات, التي يُـعدها الله لآدم وبنيه من بعده, انها خطة طويلة الزمن, فيها  تغرب الابن ادم عن خالقه, نجده يعاني فيها من الامراض الروحية والجسدية التي تضرب بكل ما للانسان وفي الانسان من وزنات اعطاها له الله.
             بدأت هذه الخطة قبل الميلاد المخلص بـ5500 عام حين طُـرد ادم وحواء من الجنة, وقد غرس الله فيهم مفهوم الذبيحة, حين صنع لهم اقمصة من جلد ليستروا اجسادهم. لقد عرف ادم مصطلحان جديدان, اولهما الاعتراف حين افتقده الله "ادم اين انت" (تك3: 9) وابتدأ ادم يعترف امام الله بخطيته. وثانيهما هو فكرة الذبيحة الدموية (رمزاً لذبيحة المسيح) فهي ذبيحة بريئة تموت عن انسان خاطئ, لينال هذا الانسان الخاطئ الصفح والغفران عن خطيته, في وجود الله.

                        ثالثا بركات التجسد: وأعد الله للتجسد والفداء منذ نزل ادم وبنيه للارض, ومهد بالظهور لبني الانسان في العهد القديم في مواقف عدة. كظهوره لابراهيم مع الملاكين, وصراعه مع يعقوب ابو الاباء, وظهوره ممنوح وزجته في بشارة شمشون, وظهوره في الاتون مع الفتية الثلاثة. وبهذه الظهورات استعدت البشرية لكي يتجسد الله, الاقنوم الثاني, الكلمة, في صورة مرئية لان "اَللَّهُ (الآب) لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ, اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ, هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18) خبر البشر عن الله الذي لم يعودوا يتذكروه, او  يعرفوه رغم ان "مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ" (رو1: 19).

                ويأتي الفداء كأهم اسباب التجسد, معلناً وشاهداً لحب الله للانسان كما قال الحبيب يوحنا "احب الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به, بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16). وايضا حتي يخلص ويفدي الانسان "ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11). وايضا تجسد كي يجدد طبيعتنا ويعيد خلقة الانسان لتعود كما كانت علي صورة الله ومثاله بعد ان تشوهت بالسقوط واضمحلت هذه الصورة بالخطية التي عاش فيها الانسان والشرور التي ابتدعها لنفسه.

ايقونة الايمان


القديس بولس الرسول يحكي لنا عن اكتشافه لايقونه سمائية عظيمة, هي عبارة سحابة ضخمة من وجوه معروفة تطل علينا من السماء وتحيط بنا من كل جهة. وقد يراها الانسان العادي مجرد سحابة ولكن مع بولس الرسول, ذو البصيرة الروحية, تَعرف من وراء ذرات النور علي وجوه كانت غير واضحة عندنا. فلما كشف عن مجد الايمان فيها ظهرت متلالئة تاخذ القلوب. وقد قدمها بولس الرسول علي هيئة لوحة فنية جميلة غاية في الابداع.

ففي اعلي الايقونة يكشف لنا الرسول عن شخصية هابيل الصديق, ووجهه في غاية البراءة. يقطر منه الدم لان اخاه قتله لما حسده وحقد عليه. والعجيب انه بالتدقيق وُجد ان قطرات دمه تتساقط ببطئ شديد علي الارض, وحينما تلمس التراب تتكلم من ذاتها بتسبحة خافتة لا تتوقف, تطلب الرحمة والحياة للاخ القاتل. وتحت وجه هابيل تُري يداه وهي حاملة ذبيحته التي فاز بواسطته بالمركز الاول في سباق الايمان في كل جيله.

وعلي الجانب الايمن من اسفل, يري وجه بولس الرسول وجه شيخ نضيراً جداً, تشع الطيبة من عينيه, وهو اخنوخ. لا يراه كروح, كبقية ارواح الابرار المكمّلة في المجد بل بجسده حياً بلحمه وعظامه. وقد اخذ الوجود الجسدي في صميم سماء الارواح. جزاء حياة جسدية طاهرة قيل عنها انها ارضت الله, لانه اختبر السير مع الله فلم تنقطع هذه المسيرة حتي بالموت.

وفي الجانب الاخر لهابيل من اسفل, راي بولس وجهاً تحيط به المياه من كل جهة بمنظر طوفان جارف, وهو نوح البار, الذي بايمانه الخائف المرتعب فاز ببر الله. وكان ايمانه ومخافته قادران ان يوازيا خطية العالم كله في هذا الزمان, فنجت معه البشرية في فلكه الصغير.

ومن هؤلاء الثلاثة تنبعث اشعة الايمان كميراث ينصب علي راس شخصية مهيبة احتلت المركز الاوسط في السحابة العظيمة, ابراهيم, فظهرت خلفه مدينة اور, كوطن مهجور تركه بالايمان ولم يعد له ابداً, فاستحق ان يكون مواطناً سمائياً . وظهرت في يده سكين الطاعة, علي شكل صليب, مغروسة في جسم حمل وديع قائم كانه مذبوح ولكنه حي. يداعبه صبي جميل الصورة بطئ الحركة لانه ابن شيخوخته. وتحت وجه ابراهيم ظهرت خيمة مُمزقة من مشقة الترحال وغُربة العمر الطويل. بابها مفتوح و واقف عليه ثلاث رجال حاملين وعد الدهور, وخلفهم مائدة عليها صورة واحد منهم مجروح جرحاً مميتاً, ولكنه كان متهللاً لانه هو الذي جرح نفسه, وفي ايديهم درج مكتوب عليه بكل اللغات, مثبت علي راس الصبي الصغير اسحاق "بذاتي اقسمت, يقول الرب, اني من اجل انك فعلت هذا الامر ولم تُمسك ابنك وحيدك اباركك بركة ويتبارك في نسلك جميع امم الارض من اجل انك سمعت لقولي"

وخلف وجه ابراهيم ظهر وجه لامراة عجوز شاخت في الايام, تضحك وتشير بيديها علي ابن في حضنها, وعلي راسها آية مكتوبة "والعاقر بالايمان تصير ام اولاد فرحة". وعلي جانبي الخيمة ظهر (اسحاق ويعقوب) يتعانقان, ويبارك الاول الاخر, فظهرت البركة في الصورة علي هيئة ندي السماء كقطرات من نور تخرج بلا انقطاع من فم اسحاق, وتستقر علي راس يعقوب, فتصير كنهر مُنساب لا ينقطع فيضانه. واذ يلامس راسه ويسيل علي صدره يتجمع صفوفاً صفوفاً ليصير شعباً مباركاً , كالرمل لا يعد من الكثرة كشاطئ مترامي الاطراف.

ثم ظهرت مصر في الايقونة بتماثيلها المكثفة, وظهر النيل ومدينة اون, ويوسف بوجهه الجميل, جالسا ًعلي كرسي عالاً  وفي يده خاتم فرعون وقلادة ملكيه حول عنقه, وتحت رجليه عظامه وقد لفها باعتناء الايمان, وكانها محنطة في تابوت ومكتوب عليها بالايمان "تُعاد الي ارض"

وبجوار التابوت ظهر وجه موسي مهيباً مضيئاً يبهر العين, لان نور السماء كان ينعكس منه. وكانه ولد ليكون ملك ولكن ليس علي اوثان, وظهرت بنت فرعون تخدمه, وجماله تحول مع الايام وتحت شمس مصر ونيلها الي حكمة اذهلت فرعون, الذي ظهر في الصورة وكانه يدعوه ليكون معه كيوسف علي كرسي ابيه لكنه ابَي, اذ لم تقنعه كل كنوز مصر, ولا حكمتها اشبعت رؤيته لما وراء الزمان. فظهر في الصورة وهو يعطي فرعون ظهره في الصورة وقد انحني يحمل شعبه علي كتفه وامامه براري سيناء وشوامخ جبالها, يفصله عنها بحر به تنانين عظام مخيفة, مفلوق نصفين وشعب مشدود الوسط يسير بهتاف عظيم ورقص في وسط المياه وكانها سور عن يمين ويسار.

وبدت خيمة الشهادة عن بُعد, وموسي واقف يسترحم وجه الله عن شعب الله قاسي الرقبة يرش الدم علي كل شئ, الكتاب نفسه والمسكن وجميع انية الخدمة, فكانت كل نقطة دم تسقط تنغرس في الحال وتصير علي شكل صليب مضئ, ويخرج منه صوت كصوت قيثارة مع لحن سمائي لا يكف عن التسبيح ليل نهار.

وفي مكان بارز ظهرت مدينة اريحا باسوارها الشامخة المهدمة كانقاض. وظهرت الابواق في ايدي الكهنة مصوبة نحوها كانها مدافع, وكل بوق امامه سور مهدوم. واذا جزء صغير من السور بقي واقفاً يتحدي كل هذا الخراب, وفي اعلاه كوه وخيط قرمزي وغرفة صغيرة ظلت باقية تشهد لايمان امراة نسيت خطيتها ودعت باسم الله الحي وترجت الخلاص فاتاها.

ويعوزنا الوقت للحديث عن باقي ابطال الايمان الذين ذكرهم القديس بولس في رسالته للعبرانيين في الاصحاح الحادي عشر. يكفينا تذكر جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والانبياء.



الالقاب التي اطلقها المسيحيون للاشارة الي انفسهم كأفراد


هناك علي الاقل سبعة ألقاب او اسماء استخدمها المسيحيون الاوائل للاشارة الي انفسهم. اولها واهمها علي الاطلاق "تلميذ" μαθητης . وهي من فعل μανθανω بمعني أتعلم. وهي تشير الي الذين يقبلون تعاليم شخص بذاته, ليس فقط لاقواله ومعتقداته بل ايضا ً لنمط حياته. فهو يشير لتلاميذ الفريسيين وتلاميذ موسي. ونجدها في الاناجيل تشير الي الاثني عشر (مت10: 1, 12: 1) ثم يشير الي كل من اتبع يسوع (مت8: 21) ولاسيما الي الاثنين والسبعين رسول الذين بعثهم في رسالة للبشارة (لو10: 1). وأمر يسوع تلاميذه بدورهم ان يتلمذوا هم ايضاً جميع الامم له بالمعمودية والتعليم (مت28: 19و20). وبداية من الاصحاح السادس في سفر الاعمال يشير لقب تلميذ الي كل مؤمن, سواء يعرف يسوع من حياته الارضية ام لم يعرفه, حيث جاءت 30 مرة تقريبا ً بمعني المؤمنيين بيسوع علي سبيل المثال (اع6: 1).

وايضا لقب "عبد يسوع المسيح" (رو1: 1, غل1: 10), او "عبد الله" (تي1:1, يع1:1) ففي كثير من الحالات يرادف هذا اللقب كلمة "مسيحي" . فنجد "وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقاً بِالْجَمِيعِ، صَالِحاً لِلتَّعْلِيمِ، صَبُوراً عَلَى الْمَشَقَّات" (2تي 2: 24).

وايضاً لقب "مختاري الله". هذا اللقب هو امتداد للقب شعب اسرائيل في القديم "شعب الله المختار". ويمكن ان يكون انعكاسا ً لما جاء بانجيل متي "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ" (مت22: 14). لذلك يـُدعي المؤمنون "مدعوو يسوع المسيح" (رو1: 6), "المختار في الرب" (رو16: 13), "المدعوين" (يه1). وهذا للقب يـُشير الي المكانة المميزة التي يتبوأها المؤمن في خطة الله, كوريث لمواعيده, ومع ذلك يدل علي ان تلك المكانة لا ترتكز علي استحقاق من جانب المؤمن, فالله هو الذي يختار ويدعو, وبالتالي الافتخار ينتفي لان الله بنعمته اعطاه هذه المكانة.

وايضا ً لقب (ابناء الله) او (اولاد الله) (مت5: 9 – لو6: 35). وهو له استخدام في العهد القديم اشارة الي اسرائيل ابن الله (خر4: 22 – اش1: 2). فالتقطت الكنيسة هذا الاسم الاشارة الي المسيحيين, عند الحاجة الي التشديد علي التمثل بالمسيح (رو8: 14 – اف5: 1). ويدل هذا اللقب علي انهم المختارون من الله ليصبحوا جزء من عائلته (يو1: 12 – غل3: 26).

وايضا لقب "المؤمن". تكفي تسمية المؤمنين للدلالة علي تلاميذ المسيح, فهم الذين يؤمنون به (اع10: 45- اف1:1). والمؤمن ليس فقط من يؤمن ايمانا ً عقليا ً, ولكنه ملتزم التزاما ً تاما ً بعهده مع المسيح. فهم لا يـُدعون لمجرد تصديق امر ما, ولكن لكي يقدموا انفسهم لشخص للمسيح.


ولفظة "قديس" او قديسون, التي استخدمها كتبة العهد الجديد للاشارة الي المسيحيين. فهذا اللقب اطلق علي اعضاء الجماعة الاولي في اورشليم, وخاصة الجماعة التي حل عليها الروح القدس يوم العنصرة (اع9: 13) ثم اخذ استعماله يمتد ليشمل الاخوة الذين في اليهودية (اع9: 31- 41), ثم جميع المؤمنين. واصبح لقب قديسين ) هو الاحب لبولس في رسائله (انظر رو1: 7). وقد ذُكر ايضا 14 مرة في رؤيا يوحنا.

واخر الالقاب, لقب "الاخوة". ونجد ان لفظة "اخ" في اقوي معانيها تدل علي الاشخاص المنحدرين من رحم ام واحدة (تك4: 2). ويشير الكتاب الي أخوة اخري ذات طابع روحي, اخوة الايمان (اع2: 29) وتـُذكر مرات عدة في العهد الجديد.



الجزء الثالث
  مجلة مدرسة الاسكندرية العدد2
     اعداد مركز ابحاث المجلة / نقلها عماد فايز

الأحد، 12 فبراير 2012

الالقاب التي اطلقها المسيحيون للاشارة الي انفسهم كجماعة



          هناك اسماء عديدة عـُرف بها المسيحيون في الكنيسة الاولي, كان أولها "الجمهور" πληθος , الذي كان اختصارا ً لعبارة "جمهور المؤمنين" او "جمهور الرب". وكان الاسم يستخدم لوصف المسيحيون الأُول, الذين دخلوا الايمان حديثا ً. الذي يقوله القديس لوقا "وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً" (اع4: 22). وعند اختيار الشمامسة السبعة يقول:"فَحَسُنَ هَذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ رَجُلاً مَمْلُوّاً مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَفِيلُبُّسَ..”. (اع6: 5).

ثاني هذه الالقاب, والذي كان يـُستخدم احيانا ً اشارة الي المؤمنين كجماعة, هو اسم "الرعية" ποιμνιον. وأول أشارة له في العهد الجديد عن طريق الرب يسوع نفسه عندما وصف نفسه بالراعي الصالح الذي يرعي خرافه, فيقول: " وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16). وقد قام باستخدامه بولس الرسول (اع20: 28), وبطرس الرسول (1بط5: 2و3).

اما اهم الالقاب التي عـُرفت بها جماعة المؤمنين, لقب "الكنيسة" εκκληςια . وهذا الاسم , في اصله اليوناني يشير الي شعب الله الذي تم دعوته واختياره بمبادرة الهية. ويتميز هذا اللقب بافصاحه عن فكرة الدعوة الموجهة مجانا ً من الله في يسوع المسيح الي اليهود اولا ً ثم الي الامم لتشكيل "المحفل المقدس" الخاص بالازمنة (انظر 1كو1: 2 , رو1: ). فالكنيسة هي جماعة متمتعة بالخلاص "في يسوع المسيح" (اع2: 47).
وفي العالم اليوناني القديم تدل كلمة εκκληςια علي اجتماع الشعب كقوة سياسية لمناقشة شؤون الدولة (انظر اع19: 32, 39-40). هذا المعني يعطي الخلفية للمعني الديني , عندما تحدث بولس الرسول عن الكنيسة حال اجتماعها (انظر 1كو11: 18). اما في الترجمة السبعينية , فان الكلمة تدل علي جماعة مدعوة لاداء شعائر دينية , تتخذ غالبا ً صورة العبادة , وخاصة لسماع كلام الشريعة. ونلاحظ الترادف بين كلمة  εκκληςια بمعني كنيسة وكلمة συναγωγη التي تعني جماعة في الترجمة العبرية. والتي جاءت منها تسمية المجمع في زمان ما بعد السبي. ونلاحظ ام الكنيسة والمجمع ظلا مترادفين , ولن يصبحا متعارضين الا عندما يخص المسيحيون انفسهم باللفظ الاول, مطلقين الثاني علي اليهود المقاومين لهم.
وتأتي كلمة "كنيسة" في الاناجيل مرتين (مت16: 18 , 18: 17) اولهما عند صرح السيد المسيح لتلاميذه ببناء علي الايمان به فقال: "عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ (صخرة الايمان) أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت16: 18). ولكنها تأتي بكثرة في سفر الاعمال ورسائل بولس الرسول (80 مرة تقريبا ً), وايضا ً في الرؤيا (19 مرة). ونجد ان استخدام مفهوم الكنيسة في العهد الجديد له تنوع ذو اهمية. فبالقياس بالعهد القديم, يمكنه ان يشير الي اجتماع المؤمنين "لأَنِّي أَوَّلاً حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَةِ أَسْمَعُ أَنَّ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٍ وَأُصَدِّقُ بَعْضَ التَّصْدِيقِ" (1كو11: 18), وهذا معناه ان المسيحين هم شعب الله, خاصة عندما يجتمعون للعبادة. ايضا ً تشير الكنيسة الي جماعة المسيحين ككل التي تعيش في نفس المكان (انظر مت18: 17, اع5: 11, 1كو4: 17, في4: 15). وغالبا ً ما تحمل تلك الجماعة اسم المكان الذي تعيش فيه, مثل "الكنيسة التي في اورشليم"(اع8: 1), "كنيسة الله التي في كورنثوس" (1كو1: 2), "كنيسة التسالونيكيين" (1تس1: 1), وايضا ً الكنيسة التي في بيت بريسكلا ّ واكيلا ّ مشارا ً اليهم بـ "الكنيسة التي في بيتهما"(رو16: 3, 1كو16: 19).

ويشير بولس الرسول ان الكنيسة هي "جسد" (انظر 1كو12: 27 – رو12: 5 – اف1: 22و23, 4: 12), او هي الجسد الذي راسه المسيح (اف4: 15 – كو1: 18). ونشأة هذا التشبيه ليس معروفا ً علي وجه التحديد. وهناك اقتراحان لتعليل ذلك.
 اولهما, اختبار بولس الرسول في طريق الي دمشق, عندما كان في طريقه لاضطهاد المؤمنين هناك فسمع صوت يوبخه قائلا ً: "انا يسوع الذي انت تضطهده" (اع9: 5), ففطن الي ان اضطهاده للمسيحيين هو في الحقيقة اضطهاد للمسيح نفسه, وربما انعكاسا ً لهذا الاختبار, انقاد بولس الرسول الي القناعة بأن المسيح الحي يمثل جماعته, حتي انه من الممكن اعتبارهم جسده, اي التعبير الملموس لوجوده الحقيقي.
 اما التعليل الثاني فهو المفهوم العبري للتضامن المشترك, حيث يرتبط الفرد بدرجة كبيرة بأمته ككل, فالفرد ليس له وجود حقيقي بعيداً عن الكل. وفي نفس الوقت فأن الفرد يمكن ان يمثل الكل, مثل "اسرائيل" فهو اسم لفرد وفي نفس الوقت اسم لجميع الشعب.
لذلك عبر بولس عن حقيقة العلاقة الحميمية بين المسيح وكنيسته بالوحدة العضوية وتكامل الجسد الطبيعي (رو12: 4-8, 1كو12: 12-27). والافخارستيا لبولس هي اظهار لهذه الحقيقة, فيقول "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (1كو10: 16و17). ويصور الكنيسة ايضا ً هي هيكل الله (1كو3: 16و17). فالمؤمنون هم "بناء الله" (1كو3: 9), والمسيحيون هم المسئولون عن الاندماج في هذا البناء بمواد تبقي وتثبت (1كو3: 10-13) والمسيحيون انفسهم, هم حجارة البناء الذي يـُكون بنية "الهيكل المقدس في الرب" (اف2: 20-22). ويصورها ايضا ً انها عروس المسيح (انظر 2كو11: 2و3).



الجزء الثاني
  مجلة مدرسة الاسكندرية العدد2
     اعداد مركز ابحاث المجلة / نقلها عماد فايز