السبت، 18 فبراير 2012

سر التقوي

                                ان سر التقوي العظيم (الله الظاهر في الجسد, هو اعجب الاسرار التي رأتها البشرية ولم تستطع فهم كيف تم, كيف اتحد اللاهوت بالناسوت, كيف كان ينمو الاله المتجسد,كيف بيداه العارية المجرده من اي سحر او تعاويذ استطاع ان يصنع هذه المعجزات, كيف كان ينام في باطن السفينة ويدير الكون, والاصعب كيف كان في القبر ميتاً و هو الاله. الكثير من الاسئلة تدور في عقول البشر اجمعهم تسأل كيف, بل حتي الطغمات الساقطة تسألت وتشككت في طبيعة هذا الانسان. انه يسوع المسيح.


                                قبل ان نتحدث عن هذا السر العظيم يلزمنا ان نعرف, لما تحتم تجسد كلمة الله الازلي وصيرورته في جسم بشري؟ واجابة هذا السؤال تتصدر صفحات الكتاب المقدس الاولي حين أكل ابوانا الاولان من الثمرة المحرمة (تك3: 3), وقد سبق الله فحذر آدم الا يأكل من هذه الشجرة لان العقوبة هي الموت (تك2: 17). واستطاعت الحية, ابليس, ان يسقط حواء ثم آدم في الخطية وكسر الوصية. واستحق ادم وامراته العقاب.

                                اولا العقاب: العقاب الواقع علي ادم وبنيه هو الموت لان "اجرة الخطية هي موت" (رو6: 23). الموت الروحي وهو الانفصال عن الله مصدر الحياة. الموت الجسدي وهو ان عوامل الانحلال بدأت تدب في الجسد الانساني, ورغم ان آدم لم يمت في مباشرة لكنه كان تدبير اللهي كي يعد الفداء للانسان, الموت الادبي وهو فقدان الانسان مجد الصورة الالهية داخله وفقد هيبته ووقاره, وطرد من الجنة. ومن العقوبات التي فرضها, لعن الله للحية, وحواء بالاتعاب في الولادة والاشتياق الي رجلها, ولآدم بالتعب في حياته كلها والعودة الي التراب, وايضاً تسلُـط الشيطان
علي البشرية كلها بسبب فساد الطبيعة.

          ثانيا خطة الخلاص بدأت عقب هذه الترتيبات, التي ظنها الانسان عقوبات, التي يُـعدها الله لآدم وبنيه من بعده, انها خطة طويلة الزمن, فيها  تغرب الابن ادم عن خالقه, نجده يعاني فيها من الامراض الروحية والجسدية التي تضرب بكل ما للانسان وفي الانسان من وزنات اعطاها له الله.
             بدأت هذه الخطة قبل الميلاد المخلص بـ5500 عام حين طُـرد ادم وحواء من الجنة, وقد غرس الله فيهم مفهوم الذبيحة, حين صنع لهم اقمصة من جلد ليستروا اجسادهم. لقد عرف ادم مصطلحان جديدان, اولهما الاعتراف حين افتقده الله "ادم اين انت" (تك3: 9) وابتدأ ادم يعترف امام الله بخطيته. وثانيهما هو فكرة الذبيحة الدموية (رمزاً لذبيحة المسيح) فهي ذبيحة بريئة تموت عن انسان خاطئ, لينال هذا الانسان الخاطئ الصفح والغفران عن خطيته, في وجود الله.

                        ثالثا بركات التجسد: وأعد الله للتجسد والفداء منذ نزل ادم وبنيه للارض, ومهد بالظهور لبني الانسان في العهد القديم في مواقف عدة. كظهوره لابراهيم مع الملاكين, وصراعه مع يعقوب ابو الاباء, وظهوره ممنوح وزجته في بشارة شمشون, وظهوره في الاتون مع الفتية الثلاثة. وبهذه الظهورات استعدت البشرية لكي يتجسد الله, الاقنوم الثاني, الكلمة, في صورة مرئية لان "اَللَّهُ (الآب) لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ, اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ, هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18) خبر البشر عن الله الذي لم يعودوا يتذكروه, او  يعرفوه رغم ان "مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ" (رو1: 19).

                ويأتي الفداء كأهم اسباب التجسد, معلناً وشاهداً لحب الله للانسان كما قال الحبيب يوحنا "احب الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به, بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16). وايضا حتي يخلص ويفدي الانسان "ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11). وايضا تجسد كي يجدد طبيعتنا ويعيد خلقة الانسان لتعود كما كانت علي صورة الله ومثاله بعد ان تشوهت بالسقوط واضمحلت هذه الصورة بالخطية التي عاش فيها الانسان والشرور التي ابتدعها لنفسه.

ايقونة الايمان


القديس بولس الرسول يحكي لنا عن اكتشافه لايقونه سمائية عظيمة, هي عبارة سحابة ضخمة من وجوه معروفة تطل علينا من السماء وتحيط بنا من كل جهة. وقد يراها الانسان العادي مجرد سحابة ولكن مع بولس الرسول, ذو البصيرة الروحية, تَعرف من وراء ذرات النور علي وجوه كانت غير واضحة عندنا. فلما كشف عن مجد الايمان فيها ظهرت متلالئة تاخذ القلوب. وقد قدمها بولس الرسول علي هيئة لوحة فنية جميلة غاية في الابداع.

ففي اعلي الايقونة يكشف لنا الرسول عن شخصية هابيل الصديق, ووجهه في غاية البراءة. يقطر منه الدم لان اخاه قتله لما حسده وحقد عليه. والعجيب انه بالتدقيق وُجد ان قطرات دمه تتساقط ببطئ شديد علي الارض, وحينما تلمس التراب تتكلم من ذاتها بتسبحة خافتة لا تتوقف, تطلب الرحمة والحياة للاخ القاتل. وتحت وجه هابيل تُري يداه وهي حاملة ذبيحته التي فاز بواسطته بالمركز الاول في سباق الايمان في كل جيله.

وعلي الجانب الايمن من اسفل, يري وجه بولس الرسول وجه شيخ نضيراً جداً, تشع الطيبة من عينيه, وهو اخنوخ. لا يراه كروح, كبقية ارواح الابرار المكمّلة في المجد بل بجسده حياً بلحمه وعظامه. وقد اخذ الوجود الجسدي في صميم سماء الارواح. جزاء حياة جسدية طاهرة قيل عنها انها ارضت الله, لانه اختبر السير مع الله فلم تنقطع هذه المسيرة حتي بالموت.

وفي الجانب الاخر لهابيل من اسفل, راي بولس وجهاً تحيط به المياه من كل جهة بمنظر طوفان جارف, وهو نوح البار, الذي بايمانه الخائف المرتعب فاز ببر الله. وكان ايمانه ومخافته قادران ان يوازيا خطية العالم كله في هذا الزمان, فنجت معه البشرية في فلكه الصغير.

ومن هؤلاء الثلاثة تنبعث اشعة الايمان كميراث ينصب علي راس شخصية مهيبة احتلت المركز الاوسط في السحابة العظيمة, ابراهيم, فظهرت خلفه مدينة اور, كوطن مهجور تركه بالايمان ولم يعد له ابداً, فاستحق ان يكون مواطناً سمائياً . وظهرت في يده سكين الطاعة, علي شكل صليب, مغروسة في جسم حمل وديع قائم كانه مذبوح ولكنه حي. يداعبه صبي جميل الصورة بطئ الحركة لانه ابن شيخوخته. وتحت وجه ابراهيم ظهرت خيمة مُمزقة من مشقة الترحال وغُربة العمر الطويل. بابها مفتوح و واقف عليه ثلاث رجال حاملين وعد الدهور, وخلفهم مائدة عليها صورة واحد منهم مجروح جرحاً مميتاً, ولكنه كان متهللاً لانه هو الذي جرح نفسه, وفي ايديهم درج مكتوب عليه بكل اللغات, مثبت علي راس الصبي الصغير اسحاق "بذاتي اقسمت, يقول الرب, اني من اجل انك فعلت هذا الامر ولم تُمسك ابنك وحيدك اباركك بركة ويتبارك في نسلك جميع امم الارض من اجل انك سمعت لقولي"

وخلف وجه ابراهيم ظهر وجه لامراة عجوز شاخت في الايام, تضحك وتشير بيديها علي ابن في حضنها, وعلي راسها آية مكتوبة "والعاقر بالايمان تصير ام اولاد فرحة". وعلي جانبي الخيمة ظهر (اسحاق ويعقوب) يتعانقان, ويبارك الاول الاخر, فظهرت البركة في الصورة علي هيئة ندي السماء كقطرات من نور تخرج بلا انقطاع من فم اسحاق, وتستقر علي راس يعقوب, فتصير كنهر مُنساب لا ينقطع فيضانه. واذ يلامس راسه ويسيل علي صدره يتجمع صفوفاً صفوفاً ليصير شعباً مباركاً , كالرمل لا يعد من الكثرة كشاطئ مترامي الاطراف.

ثم ظهرت مصر في الايقونة بتماثيلها المكثفة, وظهر النيل ومدينة اون, ويوسف بوجهه الجميل, جالسا ًعلي كرسي عالاً  وفي يده خاتم فرعون وقلادة ملكيه حول عنقه, وتحت رجليه عظامه وقد لفها باعتناء الايمان, وكانها محنطة في تابوت ومكتوب عليها بالايمان "تُعاد الي ارض"

وبجوار التابوت ظهر وجه موسي مهيباً مضيئاً يبهر العين, لان نور السماء كان ينعكس منه. وكانه ولد ليكون ملك ولكن ليس علي اوثان, وظهرت بنت فرعون تخدمه, وجماله تحول مع الايام وتحت شمس مصر ونيلها الي حكمة اذهلت فرعون, الذي ظهر في الصورة وكانه يدعوه ليكون معه كيوسف علي كرسي ابيه لكنه ابَي, اذ لم تقنعه كل كنوز مصر, ولا حكمتها اشبعت رؤيته لما وراء الزمان. فظهر في الصورة وهو يعطي فرعون ظهره في الصورة وقد انحني يحمل شعبه علي كتفه وامامه براري سيناء وشوامخ جبالها, يفصله عنها بحر به تنانين عظام مخيفة, مفلوق نصفين وشعب مشدود الوسط يسير بهتاف عظيم ورقص في وسط المياه وكانها سور عن يمين ويسار.

وبدت خيمة الشهادة عن بُعد, وموسي واقف يسترحم وجه الله عن شعب الله قاسي الرقبة يرش الدم علي كل شئ, الكتاب نفسه والمسكن وجميع انية الخدمة, فكانت كل نقطة دم تسقط تنغرس في الحال وتصير علي شكل صليب مضئ, ويخرج منه صوت كصوت قيثارة مع لحن سمائي لا يكف عن التسبيح ليل نهار.

وفي مكان بارز ظهرت مدينة اريحا باسوارها الشامخة المهدمة كانقاض. وظهرت الابواق في ايدي الكهنة مصوبة نحوها كانها مدافع, وكل بوق امامه سور مهدوم. واذا جزء صغير من السور بقي واقفاً يتحدي كل هذا الخراب, وفي اعلاه كوه وخيط قرمزي وغرفة صغيرة ظلت باقية تشهد لايمان امراة نسيت خطيتها ودعت باسم الله الحي وترجت الخلاص فاتاها.

ويعوزنا الوقت للحديث عن باقي ابطال الايمان الذين ذكرهم القديس بولس في رسالته للعبرانيين في الاصحاح الحادي عشر. يكفينا تذكر جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والانبياء.



الالقاب التي اطلقها المسيحيون للاشارة الي انفسهم كأفراد


هناك علي الاقل سبعة ألقاب او اسماء استخدمها المسيحيون الاوائل للاشارة الي انفسهم. اولها واهمها علي الاطلاق "تلميذ" μαθητης . وهي من فعل μανθανω بمعني أتعلم. وهي تشير الي الذين يقبلون تعاليم شخص بذاته, ليس فقط لاقواله ومعتقداته بل ايضا ً لنمط حياته. فهو يشير لتلاميذ الفريسيين وتلاميذ موسي. ونجدها في الاناجيل تشير الي الاثني عشر (مت10: 1, 12: 1) ثم يشير الي كل من اتبع يسوع (مت8: 21) ولاسيما الي الاثنين والسبعين رسول الذين بعثهم في رسالة للبشارة (لو10: 1). وأمر يسوع تلاميذه بدورهم ان يتلمذوا هم ايضاً جميع الامم له بالمعمودية والتعليم (مت28: 19و20). وبداية من الاصحاح السادس في سفر الاعمال يشير لقب تلميذ الي كل مؤمن, سواء يعرف يسوع من حياته الارضية ام لم يعرفه, حيث جاءت 30 مرة تقريبا ً بمعني المؤمنيين بيسوع علي سبيل المثال (اع6: 1).

وايضا لقب "عبد يسوع المسيح" (رو1: 1, غل1: 10), او "عبد الله" (تي1:1, يع1:1) ففي كثير من الحالات يرادف هذا اللقب كلمة "مسيحي" . فنجد "وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقاً بِالْجَمِيعِ، صَالِحاً لِلتَّعْلِيمِ، صَبُوراً عَلَى الْمَشَقَّات" (2تي 2: 24).

وايضاً لقب "مختاري الله". هذا اللقب هو امتداد للقب شعب اسرائيل في القديم "شعب الله المختار". ويمكن ان يكون انعكاسا ً لما جاء بانجيل متي "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ" (مت22: 14). لذلك يـُدعي المؤمنون "مدعوو يسوع المسيح" (رو1: 6), "المختار في الرب" (رو16: 13), "المدعوين" (يه1). وهذا للقب يـُشير الي المكانة المميزة التي يتبوأها المؤمن في خطة الله, كوريث لمواعيده, ومع ذلك يدل علي ان تلك المكانة لا ترتكز علي استحقاق من جانب المؤمن, فالله هو الذي يختار ويدعو, وبالتالي الافتخار ينتفي لان الله بنعمته اعطاه هذه المكانة.

وايضا ً لقب (ابناء الله) او (اولاد الله) (مت5: 9 – لو6: 35). وهو له استخدام في العهد القديم اشارة الي اسرائيل ابن الله (خر4: 22 – اش1: 2). فالتقطت الكنيسة هذا الاسم الاشارة الي المسيحيين, عند الحاجة الي التشديد علي التمثل بالمسيح (رو8: 14 – اف5: 1). ويدل هذا اللقب علي انهم المختارون من الله ليصبحوا جزء من عائلته (يو1: 12 – غل3: 26).

وايضا لقب "المؤمن". تكفي تسمية المؤمنين للدلالة علي تلاميذ المسيح, فهم الذين يؤمنون به (اع10: 45- اف1:1). والمؤمن ليس فقط من يؤمن ايمانا ً عقليا ً, ولكنه ملتزم التزاما ً تاما ً بعهده مع المسيح. فهم لا يـُدعون لمجرد تصديق امر ما, ولكن لكي يقدموا انفسهم لشخص للمسيح.


ولفظة "قديس" او قديسون, التي استخدمها كتبة العهد الجديد للاشارة الي المسيحيين. فهذا اللقب اطلق علي اعضاء الجماعة الاولي في اورشليم, وخاصة الجماعة التي حل عليها الروح القدس يوم العنصرة (اع9: 13) ثم اخذ استعماله يمتد ليشمل الاخوة الذين في اليهودية (اع9: 31- 41), ثم جميع المؤمنين. واصبح لقب قديسين ) هو الاحب لبولس في رسائله (انظر رو1: 7). وقد ذُكر ايضا 14 مرة في رؤيا يوحنا.

واخر الالقاب, لقب "الاخوة". ونجد ان لفظة "اخ" في اقوي معانيها تدل علي الاشخاص المنحدرين من رحم ام واحدة (تك4: 2). ويشير الكتاب الي أخوة اخري ذات طابع روحي, اخوة الايمان (اع2: 29) وتـُذكر مرات عدة في العهد الجديد.



الجزء الثالث
  مجلة مدرسة الاسكندرية العدد2
     اعداد مركز ابحاث المجلة / نقلها عماد فايز

الأحد، 12 فبراير 2012

الالقاب التي اطلقها المسيحيون للاشارة الي انفسهم كجماعة



          هناك اسماء عديدة عـُرف بها المسيحيون في الكنيسة الاولي, كان أولها "الجمهور" πληθος , الذي كان اختصارا ً لعبارة "جمهور المؤمنين" او "جمهور الرب". وكان الاسم يستخدم لوصف المسيحيون الأُول, الذين دخلوا الايمان حديثا ً. الذي يقوله القديس لوقا "وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً" (اع4: 22). وعند اختيار الشمامسة السبعة يقول:"فَحَسُنَ هَذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ رَجُلاً مَمْلُوّاً مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَفِيلُبُّسَ..”. (اع6: 5).

ثاني هذه الالقاب, والذي كان يـُستخدم احيانا ً اشارة الي المؤمنين كجماعة, هو اسم "الرعية" ποιμνιον. وأول أشارة له في العهد الجديد عن طريق الرب يسوع نفسه عندما وصف نفسه بالراعي الصالح الذي يرعي خرافه, فيقول: " وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16). وقد قام باستخدامه بولس الرسول (اع20: 28), وبطرس الرسول (1بط5: 2و3).

اما اهم الالقاب التي عـُرفت بها جماعة المؤمنين, لقب "الكنيسة" εκκληςια . وهذا الاسم , في اصله اليوناني يشير الي شعب الله الذي تم دعوته واختياره بمبادرة الهية. ويتميز هذا اللقب بافصاحه عن فكرة الدعوة الموجهة مجانا ً من الله في يسوع المسيح الي اليهود اولا ً ثم الي الامم لتشكيل "المحفل المقدس" الخاص بالازمنة (انظر 1كو1: 2 , رو1: ). فالكنيسة هي جماعة متمتعة بالخلاص "في يسوع المسيح" (اع2: 47).
وفي العالم اليوناني القديم تدل كلمة εκκληςια علي اجتماع الشعب كقوة سياسية لمناقشة شؤون الدولة (انظر اع19: 32, 39-40). هذا المعني يعطي الخلفية للمعني الديني , عندما تحدث بولس الرسول عن الكنيسة حال اجتماعها (انظر 1كو11: 18). اما في الترجمة السبعينية , فان الكلمة تدل علي جماعة مدعوة لاداء شعائر دينية , تتخذ غالبا ً صورة العبادة , وخاصة لسماع كلام الشريعة. ونلاحظ الترادف بين كلمة  εκκληςια بمعني كنيسة وكلمة συναγωγη التي تعني جماعة في الترجمة العبرية. والتي جاءت منها تسمية المجمع في زمان ما بعد السبي. ونلاحظ ام الكنيسة والمجمع ظلا مترادفين , ولن يصبحا متعارضين الا عندما يخص المسيحيون انفسهم باللفظ الاول, مطلقين الثاني علي اليهود المقاومين لهم.
وتأتي كلمة "كنيسة" في الاناجيل مرتين (مت16: 18 , 18: 17) اولهما عند صرح السيد المسيح لتلاميذه ببناء علي الايمان به فقال: "عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ (صخرة الايمان) أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت16: 18). ولكنها تأتي بكثرة في سفر الاعمال ورسائل بولس الرسول (80 مرة تقريبا ً), وايضا ً في الرؤيا (19 مرة). ونجد ان استخدام مفهوم الكنيسة في العهد الجديد له تنوع ذو اهمية. فبالقياس بالعهد القديم, يمكنه ان يشير الي اجتماع المؤمنين "لأَنِّي أَوَّلاً حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَةِ أَسْمَعُ أَنَّ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٍ وَأُصَدِّقُ بَعْضَ التَّصْدِيقِ" (1كو11: 18), وهذا معناه ان المسيحين هم شعب الله, خاصة عندما يجتمعون للعبادة. ايضا ً تشير الكنيسة الي جماعة المسيحين ككل التي تعيش في نفس المكان (انظر مت18: 17, اع5: 11, 1كو4: 17, في4: 15). وغالبا ً ما تحمل تلك الجماعة اسم المكان الذي تعيش فيه, مثل "الكنيسة التي في اورشليم"(اع8: 1), "كنيسة الله التي في كورنثوس" (1كو1: 2), "كنيسة التسالونيكيين" (1تس1: 1), وايضا ً الكنيسة التي في بيت بريسكلا ّ واكيلا ّ مشارا ً اليهم بـ "الكنيسة التي في بيتهما"(رو16: 3, 1كو16: 19).

ويشير بولس الرسول ان الكنيسة هي "جسد" (انظر 1كو12: 27 – رو12: 5 – اف1: 22و23, 4: 12), او هي الجسد الذي راسه المسيح (اف4: 15 – كو1: 18). ونشأة هذا التشبيه ليس معروفا ً علي وجه التحديد. وهناك اقتراحان لتعليل ذلك.
 اولهما, اختبار بولس الرسول في طريق الي دمشق, عندما كان في طريقه لاضطهاد المؤمنين هناك فسمع صوت يوبخه قائلا ً: "انا يسوع الذي انت تضطهده" (اع9: 5), ففطن الي ان اضطهاده للمسيحيين هو في الحقيقة اضطهاد للمسيح نفسه, وربما انعكاسا ً لهذا الاختبار, انقاد بولس الرسول الي القناعة بأن المسيح الحي يمثل جماعته, حتي انه من الممكن اعتبارهم جسده, اي التعبير الملموس لوجوده الحقيقي.
 اما التعليل الثاني فهو المفهوم العبري للتضامن المشترك, حيث يرتبط الفرد بدرجة كبيرة بأمته ككل, فالفرد ليس له وجود حقيقي بعيداً عن الكل. وفي نفس الوقت فأن الفرد يمكن ان يمثل الكل, مثل "اسرائيل" فهو اسم لفرد وفي نفس الوقت اسم لجميع الشعب.
لذلك عبر بولس عن حقيقة العلاقة الحميمية بين المسيح وكنيسته بالوحدة العضوية وتكامل الجسد الطبيعي (رو12: 4-8, 1كو12: 12-27). والافخارستيا لبولس هي اظهار لهذه الحقيقة, فيقول "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (1كو10: 16و17). ويصور الكنيسة ايضا ً هي هيكل الله (1كو3: 16و17). فالمؤمنون هم "بناء الله" (1كو3: 9), والمسيحيون هم المسئولون عن الاندماج في هذا البناء بمواد تبقي وتثبت (1كو3: 10-13) والمسيحيون انفسهم, هم حجارة البناء الذي يـُكون بنية "الهيكل المقدس في الرب" (اف2: 20-22). ويصورها ايضا ً انها عروس المسيح (انظر 2كو11: 2و3).



الجزء الثاني
  مجلة مدرسة الاسكندرية العدد2
     اعداد مركز ابحاث المجلة / نقلها عماد فايز

الخميس، 26 يناير 2012

الصعود والقداس الالهي


الصعود والقداس الالهي
          دكتور/ نصحى عبد الشهيد

اولا البعد السمائى للفداء :
بعدما قدم المسيح نفسه ذبيحة عن خطايانا على الصليب وقام من الاموات معلنا ابادته للموت وسحقه للشيطان ، صعد الى السماء بجسد قيامته الممجد وجلس فى عرش المجد مع الاب . وكما يقول الرسول فى العبرانيين ان المسيح "بدم نفسه دخل مرة واحدة ال قدس الاقداس فوجد فداء ابديا " (عب9: 12) ، وهكذا اكمل مصالحتنا مع الاب .

1.  الاقداس السماوية او الهيكل السمائى هو حضرة الاب الفائقة المجد ، التى كان هيكل اورشليم رمزا لها ، والمذابح الموجودة فى كنائسنا هى استحضار سرائرى للمذبح والهيكل السماوى .

2. الكهنوت الذى بدأ الرب يسوع ممارسته على الارض بتقديم نفسه ذبيحة على الصليب هو كهنوت ابدى ، فقد دخل بذببيحته الى الهيكل السمائى . فذبيحة الصليب قبلت فى السماء امام مذبح مجد الله المستتر غير المنظور . وبصعوده بعد القيامةودخوله الى الاقداس السماوية وجلوسه عن يمين الله تحقق وعد الله : "انت كاهن الى الابد على رتبة ملكيصادق" (مز110: 4).

3.  الكهنوت الابدى على رتبة ملكيصادق يتم فى حضرة الاب كما يقول الرسول "لان المسيح لم يدخل الى اقداس مصنوعة بيد اشباه الحقيقية بل الى السماء عينها ليظهر الان امام وجه الله لاجلنا " (عب9: 24) ، وبوجوده بالجسد الممجد امام الاب فهو يشفع كوسيط بين الله والناس ، وكشفيع بكفارة ذبيحته عن خطايانا وخطايا كل العالم كما يقول يوحنا " فلنا شفيع عند الاب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا وليس لخطايانا فقط بل لكل العالم ايضا " (1يو2: 1-2).
وكرئيس كهنة سمائى للخيرات العتيدة يوزع خيرات الدهر الاتى ، خيرات الروح القدس " (انظر عب9: 11).

4. ان انسكاب الروح القدس يوم الخمسين هو العلامة التى لا شك فيها على ان ذبيحة رئيس الكهنة المسيح قد قبلها الاب كما قال بطرس الرسول يوم الخمسين "اذ ارتفع الى يمين الله واخذ موعد الروح القدس من الاب ، سكب هذا ..." (اع2: 23).

5.  المسيح رئيس الكهنة فى صلوات القداس الالهى :
 + فى قسمة سبت الفرح: "يا يسوع ذا الاسم المخلص ... انت هو ملك الدهور غير المائت الابدى كلمة الله الذى على الكل راعى الخراف الناطقة ، رئيس كهنة الخيرات العتيدة ، الذى صعد الى السموات ، ودخل حجاب موضع قدس الاقداس ، الموضع الذى لا يدخل اليه ذو طبيعة بشرية وصار سابقا عنا ، صائر رئيس كهنة الى الابد على رتبة ملكى صادق ".
+ فى قسمة القايمة للابن: "ايها" المسيح الهنا رئيس كهنة الخيرات العتيدة ، ملك الدهور غير المائت الابدى ، كلمة الله الذى على الكل ، الذى انعم علينا بهذا السر العظيم الذى هو جسده المقدس ودمه الكريم لغفران خطايانا ".

6.  رئيس الكهنة الابدى دخل كسابق لاجلنا :

يقول الرسول فى العبرانيين ان الرب يسوع دخل الى ما داخل الحجاب " كسابق لاجلنا صائرا على رتبة ملكيصادق رئيس كهنة الى الابد " (عب6:20).
+ هذه الاية تعبر عن حقيقة فى غاية الاهمية لفهم العبادة المسيحية ، وهى ان المسيح دخل الى الاقداس السمائية ليس فقط كرئيس كهنة بل ايضا "كسابق لنا". فبدخوله الى ما داخل الحجاب اى الى قدس الاقداس السمائى ، فان المسيح يجذبنا وراءه الى الفة حياة الثالوث القدوس ، التى كانت قبل ذالك مستحيلة الوصول اليها بالنسبة للبشرية الساقطة ، اى ان المسيح يدخلنا الى صميم المجد الالهى ذاته الذى كان يرمز اليه قدس الاقداس فى هيكل اورشليم ( وقبله فى خيمة الاجتماع(.
+ وهكذا بدخول المسيح كسابق لاجلنا بدأ يتكون موكب مقدس مهيب: هذا الموكب راسه الرب يسوع رئيس الكهنة الممجد فى السماء ، هذا الموكب يصعد وراء الرب يسوع ، وهو مكون من سحابة الشهود من القديسين والمؤمنين فى كل العصور يتبعون الرب يسوع داخلين الى الاقداس وراء السابق. وهنا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
"المسيح رفع الكنيسة كما لو انه سحبها بواسطة الة رافعة وقادها الى علو عظيم حتى اجلسها على ذالك العرش لانه حيث يكون الراس يكون الجسد ايضا)" على افسس3: 2).

فالابن الوحيد الممجد بالجسد فى السماء يسير معه الابناء بالتبنى كشركاء معا فى نفس العمل . لاننا " قد صرنا شركاء المسيح بتمسكنا ببداءة الثقة للنهاية (انظر عب3: 14).  ويكونون مثل راع وخرافه (عب13: 20) . فهم جميعا يشكلون مجموعة واحدة فى سيرهم ال فوق الى الامامان دخول رئيس الكهنة الى  حضرة الله ينبغى ان يعتبر انه دخول سابق يتبعه الباقون (عب6: 20). هو يفتح الطريق ، فهو يدخل اولا لكى يفتح ويكرس الطريق يقول الرسول ... لنا ثقة بالدخول الى الاقداس بدم يسوع طريقا كرسه لنا حديثا حيا بالحجاب اى جسده " (عب10: 19-20).

وهكذا فالمؤمنون يلزمهم فقط ان يتبعوه ليدخلوا هم انفسهم الى السماء . وعن هذا ، الدخول وراء المسيح الى السماء . يقول القديس اثناسيوس الرسولى : (وافتتح طريقا جديدا للصعود الى السماء كما هو مكتوب " ارفعوا ايها الرؤساء ابوابكم وارتفعى ايتها الابواب الدهرية " .(مز24: 7). فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الابواب اذ هو رب الكل . فلم تكن مخلوقاته مغلقة فى وجهه ، فهو الذى خلقها ، بل نحن الذين كنا فى احتياج الى ذالك (اى افتتاح الابواب). نحن الذين حملنا فى جسده الخاص . لانه كما قدم جسده للموت عن الجميع ،هكذا ايضا بهذا الجسد عينه ، اعد الطريق الصاعد الى السموات ) (تجسد الكلمة 25: 6).

ويقول ايضا : (وبما ان الكلمة وهو صورة الاب ، وهو غير مائت ، قد اتخذ صورة عبد ، وكانسان عانى الموت بجسده من اجلنا ، لكى بذالك يبذل نفسه للاب بالموت من اجلنا ، لكى كما بموته قد متنا جميعا فى المسيح ، وعلى نفس المنوال ايضا ، فاننا فى المسيح نفسه ايضا قد مجدنا مجدا عاليا ، مقامين من الاموات وصاعدين الى السموات ، حيث دخل يسوع كسابق لاجلنا (عب6:20)،  "لا الى اقداس اشباه الحقيقية ، بل الى السماء عينها ليظهر الان امام وجه الله لاجلنا " (عب9: 24). (ضد الاريوسيين 1: 41).

+ الكنيسة مكان تكوين الموكب:

المكان المعين لاجل تكوين هذا الموكب العظيم ، هو الكنيسة بيت الله ، التى راسها هو رئيس الكهنة نفسه و" واذ لنا كاهن عظيم على بيت الله . فلنتقدم بقلب صادق " (عب10: 21-22) ومحور عبادة الكنيسة يتركز فى قداس الافخارستيا الذى تقيمه الكنيسة . هذه الافخارستيا هى متحدة مع تقدمه يسوع السمائية . فالافخارستيا هى انعكاس ليتورجى للعبادة السمائية التى يقودها يسوع رئيس الكهنة ، كما انها (اى الافخارستياايضا هى ذكر ذبيحة المسيح على الصليب فى الزمن .

ثانيا : الصعود فى العبادة الافخارستية :
 7. قداس الافخارستيا هو عمل الكنيسة الجماعى الذى تعبر بواسطته عن دعوتها الكهنوتية . والكنيسة تشترك فى عمل المسيح الكهنوتى ، عمل عريسها الالهى . " وجعلنا ملوكا وكهنة لله ابيه " رؤ5: 10. وانظر ايضا خر19: 6، 1بط 2: 5-9 .
فكل الكنيسة تشترك فى ذبيحة المسيح فى خدمة الافخارستياوعن طريق الكاهن ( المشرطن) ، فان الكنيسة تكون هى رئيس كهنة العهد الجديد ،وتتشفع عن الجنس البشرى فى شخص المسيح الممجد امام عرش الله . لذالك فان عبادة الكنيسة تشكل استحضارا ليتورجيا وسرائريا لذبيحة الصليب ولكهنوت المسيح السمائى ، ففى عبادة الكنيسة يتم ذكر وجهى خدمته ( الوجه الارضى والوجه السمائى ) وتصويرهما .
 فان نفس العلاقة الموجودة بين موت المسيح على الصليب وذبيحته داخل الحجاب فوق الزمان والمكان_ هذه العلاقة نفسها ينبغى التاكيد عليها بين ذبيحته السمائية وبين خدمات الافخارستيا المتعددة على المذابح فى الكنائس على الارض .

8. فالجانب او الوجه الارضى (اى ذبيحة الصليب والقيامة ) يذكر فى تذكار الالام عندما يردد الكاهن الخديم وصية المسيحاصنعوا هذا لذكرى، والكلمات التى نطقها المسيح عندما اسس العشاء الاخير .

9. اما الجانب السمائى لذبيحة المسيح ( اى تقديم ذاته وشفاعته امام عرش الله ). فهو ليس موضوع تذكر لانه يتجاوز الزمان والمكان . ولان هذا الجانب السمائى ليس موجودا فى الماضى مثل الجانب الارضى ، لذالك يمكن فقط ان يكون موضوع "دعاء" او استدعاء موجه للاب فى السماء . وبهذا الدعاء تنضم الكنيسة الى شفاعة المسيح الكهنوتية ، متوسلة الى الله ان يعطى الروح القدس ليحل على المؤمنين المصلين مع الكاهن ، وعلى التقدمات ( القرابين ) الموضوعة على المذبح . ال"ابيكلسيس" اى استدعاء الروح القدس ، وتوقع حلوله يقابلان فى تاريخ الكنيسة الايام العشرة بين الصعود والعنصرة حينما كان الرسل مجتمعين فى العلية ينتظرون بفرح مجئ المعزى الذى وعدهم به المخلص يسوع .

هذان الجانبان _ التذكار والاستدعاء _ هما فى الحقيقة غير منفصلين ، ولكن يجب ان نعمل تمييزا بينهما ، لان اعطاء الروح القدس هو البرهان والضمان والعربون على ان الاب قد قبل التقدمات  الافخارستية المقدمه امامه ، كما انه بواسطة نزول الروح القدس تتقوى وحدة قطيع الراعى معا . واذ يتشدد القطيع بمواهب الروح المنسكبة عليه ، فانه يتحرك متقدما نحو المذبح السمائى متبعا خطوات "السابق" الداخل معه.

10. ان صلاة الكنيسة هى طلب حضور الملكوت ، وصلاتها ممتلئة باليقين الظافر بان الملكوت قريب ، بل ان الملكوت فى داخلنا .
ان صلاة الكنيسة هى دعاء وتوقع للعنصرة ، حينما سكب الاب ، استجابة لطلب الرب يسوع ، انهار الماء الحى _ الروح القدس_ على الكنيسةان هذه الحقيقة الحاضرة المشعة للملكوت تصير ملموسة بصورة بارزة فى صلاة الكنيسة .

ان كل حياة الكنيسة المسنودة بالمواهب الروحية ،بكل ما فيها من صلوات وخدمات ليتورجية ، واسرار _ التى فيها تنسكب نعمة الروح القدس باستمرار ، كل هذه تخص ملكوت الله . وكاعضاء الكنيسة فنحن ندخل الى ذالك الملكوت ونشترك فيه .
11. هذا البعد السمائى : يجرى التعبير عنه بشكل مستمر فى القداس كله ، كما نلاحظ فى كل اجزاء القداس ، فى تقديم البخور والقرابين، فكل التقدمات تدخل الى المذبح المقدس الناطق السمائى وكذالك نفوس القديسينرفعه قديسيه الى العلا معه ، اعطاهم قربانا لابيه " . القداس يعيد لنا حياة الكلمة المتجسد على الارض كما يقدم لنا صعوده فى المجد السمائى .

12. قداس الموعوظين : يبدا قداس الموعوظين _ قداس الكلمة_ بتمجيد الثالوث الاب والابن والروح القدس " مجدا واكراما للثالوث".
فالهدف الكلى للعبادة المسيحية هو تمجيد الثالوث واعلان مجئ وبنيان الملكوت فى كل المسكونة . اى الكنيسة الجامعة الواحدة.
قداس الموعوظين هو تحرك مستمر للنفوس نحو السماء ، حيث يصل الى ذروته فى تسبحة الثلاثة تقديسات "قدوس الله ، قدوس القوى ، قدوس الحى الذى لا يموت ...".  هذه التسبحة هى تهليل الخورس الموحد المكون من الملائكة والبشر مدمجين معا فى كنيسة واحدة من خلال المسيح الذى هو من السماء ومن الارض معا. ولهذا فان التسبحة تقال قبل قراءة الانجيل مباشرة مما يعنى ان المسيح بمجيئه بيننا _ وهذا ما تشير اليه قراءة الانجيل _ ان المسيح المتجسد حاضر من خلال قراءة الانجيل _ ولذالك نقف اثناء قراءته _ قد وضعنا مع الملائكة وأسكنا وسط الطغمات الملائكية .

"الذى ثبت قيام صفوف غير المتجسدين فى البشر، الذى اعطى الذين على الارض تسبيح السيرافيم. التقديسات الثلاث هى صيغة مسيحية لتسبحة الشاروبيم " قدوس قدوس قدوس " الواردة فى رؤيا اشعياء (6: 3). ويذكر القداس اكثر من مرة تسبحة الشاروبيم ، مما يؤكد على مشاركة الملائكة بشكل مباشر فى سر الافخارستيا ، وعلى وحدة الكنيسة المنظورة مع الكنيسة غير المنظورة ، الوحدة التى مركزها المسيح الممجد الحاضر على المذبح .الملائكة الذين هم حول العرش الالهى والذين يسبحون الله بغير سكوت يكونون حاضرين غير منظورين فى قداس الكنيسة ومعهم كل اعضاء الكنيسة المنتصرة غير المنظورة من القديسين والمؤمنين المنتقلين فى كل العصور السابقة مجتمعين حول الحمل .

13. قداس المؤمنين:
 يبدا بعد قراءة الانجيل والعظة :
بعد تقديم صلوات تشفعية عن سلام الكنيسة والاباء والاجتماعات يقول الشعب قانون الايمان . ونلاحظ ان قانون الايمان هو اعلان ايمان الكنيسة بالاب والابن والروح القدس ، كما بدا قداس الموعوظين عند تقديم الحمل بتمجيد الثالوث كما نلاحظ كلام تفصيلى عن شخص ابن الله يسوع المسيح فى الوهيته وتجسده من العذراء بالروح القدس وموته وقيامته ثم صعوده ، واعلان انتظار مجيئه من السماء " فى مجده" ويختم القانون باعلان انتظارنا لقيامة الاموات والحياة فى الدهر الاتى.
14. صلاة الصلح :
تهدف صلاة الصلح بمصالحتنا مع الاب وصلحنا بعضنا مع بعض بالسلام النابع من المسيح ، ان نستعد بالقبلة المقدسة للاشتراك فى الخدمة السمائية التى نرتفع اليها بقيادة المسيح رئيس الكهنة السمائى والتى ستنتهى باشتراكنا فى الموهبة السمائية غير المائتة (اى التناول من جسده ودمه(.
 بعد رفع الابروسفارين (غطاء التقدمة ) الذى يعنى اعلان قيامة المسيح _ مثل رفع الحجر عن قبر المسيح _ يقول خادم السر " ارفعوا قلوبكم" . اى " اهتموا بما فوق حيث المسيح جالس" (كو3: 1-2). ويجيب المؤمنون "هى عند رب اى ان قلوبهم فوق حيث يوجد كنزهم المسيح حسب قول المسيح نفسه ( انظر مت 6:21). فالكنيسة تذكر دائما حركة القداس الصاعدة الى فوق التى تلتقى من خلالها الارض بالسماءففى القداس نحن نشترك فى القداس الالهى السمائى الابدى ، والسماء نفسها تنحنى نحونا وتطوقنا ، وترفع طبيعتنا البشرية المتجلية الى السماء .
وكل الزمن المؤقت يتقدس وينال قيمة الابدية .

15. نداء "ارفعوا قلوبكم" : موجود فقط فى قداس الافخارستيا وحده بينما اعطاء البركة والسلام والشكر "موجود تقريبا فى كل صلوات الكنيسة الليتورجية الاخرى . والسبب فى وجوده فقط فى الافخارستيا هو انه اكثر من مجرد دعوة للمؤمنين ان يثبتوا افكارهم فى الامور التى فوق . فهذا النداء يذكر الكنيسة ان الافخارستيا تتحقق فى السماء لاننا احيينا مع المسيح بنعمة الله المخلصة بعد ما كنا امواتا بالخطايا "واقامنا الله معه واجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع" (اف2: 5-6).

وهكذا فان الكنيسة رفعت الى السماء فى المسيح . والسماء هنا تعنى ملكوت المجد الظاهر فى المسيح . فالقداس هو سر الدهر الاتى ، سر الملكوت السمائى ،بمعنى ان ما يتمم فى الزمن على الارض هو اعلان عن ما هو سمائى ، وابدى ، وهذا الذى يتم هنا يتيح لنا امكانية ان نشارك فى تلك الامور السمائية .
وهكذا فان المصلين يرتفعون مع المسيح فى صعوده الى السماء ويدخلون وراء رئيس الكهنة خادم الاقداس السمائية والمسكن الاعظم الذى ليس من هذه الخليقةوهذا النداء "ارفعوا قلوبكم" يذكرنا بطبيعة الكنيسة انها سمائية ويذكرنا بهدف خدمة القداس الالهى .

يقول ذهبى الفم :"ما قيمة السماء بالنسبة لى ، بينما انا اتامل رب السماء نفسه ، صائرا انا نفسى سماء " ، وكما وعد المسيح "ان احبنى احد ... يحبه ابى ، واليه ناتى وعنده نصنع منزلا" (يو14: 23).

16. تسبحة الشاروبيم والسيرافيم : (اش6: 3) و(رؤ4: 8) هذه التسبحة هى جزء اساسى من الصلاة الافخارستية . انها تعبير كامل عن نشيد النصرة والتسبيح الذى يسبح به الملائكة والبشر معا _ سكان السماء والارض معا _ (وكما ذكرنا يتم هذا التسبيح بصورة اخرى قبل الانجيل (الثلاثة تقديسات).
وهذا هو معني الليتورجية الالهية اي "الخدمة الالهيةفهي دخول الي حضرة الله وتسبيحه والاشتراك في تمجيده مع الملائكة " مستحق ومستوجب .. ان نسبحك ونباركك .. قدوس قدوس قدوس.

ويشير القداس الغريغوري الي هذه التسبحة بنداء خاص يوجهه الشماس بعد "قبلوا  بعضكم بعضا ً..." " ايها الاكليروس وكل الشعب بطلبة وشكر بهدوء وسكوت ارفعوا قلوبكم الي ناحية الشرق لتظروا المذبح وجسد ودم عمانوئيل الهنا موضوعين عليه. والملائكة ورؤساء الملائكة قيام, السيرافيم ذوو الستة اجنحة والشاروبيم الممتلئون اعينا ً يسترون وجوههم من اجل بهاء عظمة مجده الغير منظور ولا منطوق به, يسبحون بصوت واحد صارخين قائلين قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت. السماء والارض مملوئتان من مجدك الاقدس".

والقداس الالهي يدخلنا في جو العبادة السمائية. وكل ما تقدمه الكنيسة هنا علي الارض من صلوات وتسابيح وقرابين انما تقدمها امام مذبح الله الناطق السمائي. والمذبح الناطق اي العقلي هو حضرة الله ومجده اي عرش الله كما ذكرنا فالكنيسة تتقدم الي الله الاب في المسيح رئيس كهنتنا, وتطلب ان يكون المؤمنون "ذبائح ناطقةوتقدم "صعائد بركة" "وبخورا ً روحياً يدخل الي حجاب في موضع قدس اقداسك" (بخور البولس(.

17. بعد تسبحة الشاروبيم:
يصلي الكاهن مقدسا ً الله الذي الانسان ثم يسرد تاريخ تدبير الخلاص – السقوط. واستمرار اهتمام الله ومحبته للانسان بالانبياء وفي اخر الايام ظهر لنا بتجسد الابن الوحيد, ويذكر عمل المسيح علي الارض حتي الصليب والنزول الي الجحيم والقيامة والصعود والجلوس عن يمين الاب وانتظار ظهوره الثاني للملك والدينونة.
وبعد نهاية هذه الصلاة الافخارستية الكبيرة تاتي مرحلة.

18. كلمات التأسيس:
 "اخذ خبزاً  .. وشكر .. ثم اخذ الكأس .. وشكر"
ايمان الكنيسة و الارثوذكسية واختبار ابائها في صلوات القداسات يوضح ان الذي يقوم بخدمة الافخارستيا في قداس الكنيسة هو المسيح نفسه. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "آمنوا انه هذا (القداس) هو نفسه العشاء الذي جلس فيه الرب نفسه علي المائدة, وان هذا العشاء الان (القداس) لا يختلف بأي حال عن ذاك (في العلية). لانه ليس صحيحا ً ان هذا العشاء (القداس) يُـعد بواسطة انسان بينما ذاك اعد بواسطة المسيح  . فاليوم مثله مثل (العشاء الاول), فان الرب هو الذي يعمل ويقدم (كل التقدعندمات). نحن (الكهنة) نتخذ دور الخدم, انه هو نفسه (الرب) الذي يبارك ويحول (الخبز والخمر).

لذلك عندما تري الكاهن يعطيك الاسرار المقدسة فلا تظن ان الكاهن هو الذى يقوم بذالك ، ولكنها يد المسيح التى تمتد اليك . المسيح حاضر والذى اعد المائدة الاولى هو نفسه الذى اعد هذه المائدة . لانه ليس انسانا هو الذى يجعل التقدمة تصير جسد المسيح ودمه بل المسيح نفسه الذى صلب لاجلنا . الكاهن هو المندوب (الذى يمثل المسيح) حينما ينطق نفس الكلمات التى قالها الرب ، ولكن القوة والنعمة هما من الرب وهذا ما تعبر عنه بوضوح مقدمة القسمة فى القداس الغريغوريوى "يا لذى بارك ... الان ايضا بارك يالذى قدس... الان ايضا قدس... يا لذى قسم ... الان ايضا قسم ... الان ايضا اعطنا وكل شعبك .."
 فالمسيح رئيس الكهنة السمائى حاضر فى القداس ويعمل بالروح فى الكاهن المصلى والكنيسة العابدة كلها ليقدم لهم جسده ودمه.

19. وهذا ما يتحقق بحلول الروح القدس بصلاة " استدعاء الروح"  (ابيكلييس)  ليحل على المؤمنين وعلى القرابين ، وهنا تتم عنصرة حقيقية فى هذا اللحظة حينما يحل الروح ليس فقط على القرابين ليقدسها وينقلها ويجعلها جسد الرب ودمه الواهبين للحياة بل ايضا على كل الكنيسة المصلية.
 وهكذا بحلول الروح القدس فان تقدمة الكنيسة تصير ضمن ذبيحة المسيح الواحدة التى قدمها على الصليب وهى الان فى الاقداس فى عرش الله .فالروح الذى يحل الان على القرابين المقدمة من الكنيسة هو نفس الروح الذى حل على الرسل فى العلية كعربون لمسرة الاب ، ومصالحتنا معه بواسطة ذبيحة ابنه وهو نفس الروح الذى به صارت ذبيحة المسيح على الصليب تقدمه ابدية امام الله (انظر عب9: 14)، وبقوة هذه الروح اقام الاب المسيح واجلسه عن يمينه ، وبقوة الروح نفسه نرفع نحن ايضا لنتبع الرب يسوع الذى دخل كسابق لندخل وراءه .

20. بالمسيح تصير الكنيسة كاهن وشفيع الخليقة كلها:
 بعد حلول الروح القدس على المؤمنين والقرابين تقوم الكنيسة بصلوات تشفع فى كل المؤمنين وغير المؤمنين والكون والطبيعة وكل المخلوقات بداية من الاواشى من اول السلامة والاباء حتى الزروع والثمار والهواء والقرابين ، وتختم التشفع بالمجمع حيث تذكر كل القديسين الذين سبقوا ودخلوا الدائرة السماوية والذين يحضرون معنا فى الافخارستيا كنيسة واحدة منظورة وغير منظروة مع الملائكة القديسين الحاضرين _ معنا لخدمة العبادة فى الكنيسة .

21.  واهدنا ((ادخلنا) الى ملكوتك:
 فبعد صلاة المجمع الذى تكون فيه الكنيسة فى شركة مع ارواح القديسين المنتقلين الى فردوس النعيم ، يطلب الكاهن من اجلنا نحن القائمين فى صلاة القداس قائلا : "واهدنا الى ملكوتك " وهذه الكلمة فى اللغة العربية "اهدنا" هى فى الاصل القبطى تعنى "ادخلنا الى داخل ملكوتك " فكلمة "ايخون" تعنى الداخل او العمق ، والتى منها اشتقت الكلمة الدارجة "الخن" اشارة الى الجزء الداخلى ، فالمصود بالطلبة ليس ان يهدينا الله من الضلال ولكن ان يمسك بايدينا طوال الطريق الى ان يوصلنا الى داخل ملكوته ن لكى نشترك فى ميراث القديسين الذين سبقونا اى فى ملكوت الله الابدى .

22. شركة واصعاد اسراره الالهية :  فى مقدمة القسمة فى القداس الباسيلى بعد ان يشكر الكاهن الله على عطيته التى اهلنا لها بان نصلى امام اقداسه ونرفع ايدينا الى فوق .. يقول الكاهن : "هو ايضا فلنساله ان يجعلنا مستحقين لشركة وصعود اسراره الالهية غير المائتة " اى يجعلنا مستحقين بواسطة الافخارستيا والاشتراك فيها الى الصعود معها الى نور الملكوت وفرحه ونصرته .

23. بعد ذالك القسمة : وصلاة "ابانا الذى " ثم الاعتراف بالثالوث "واحد هو الاب القدوس واحد هو الابن القدوس واحد هو الروح القدس" ، كما فى بداية القداس هكذا نهايته ، واعتراف ثلاث مرات بجسد ودم المسيح ابن الهنا ، عمانوئيل الهنا . ثم الاعتراف الاخير .ثم اشتراك المؤمنين فى الجسد والدم الالهيين .

24. وفى صلاة الشكر بعد التناول تعبر الكنيسة عن ما ذاقته من التصاق عميق بالله واتحاد به فى العبادة الحقيقة وتستطيع  ان تقدم شهادة اصيلة عن ذاك " الذى كان من البدء الذى سمعناه ... وقد راينا ونشهد ونخبركم .. " (1يو2: 1-3) اذ تقول : "فمنا امتلأ فرحا ولساننا تهليلا من جهة تناولنا من اسرارك غير المائتة يارب . لان ما لم تره عين وما لم تسمع به اذن ولم يخطر على قلب بشر ، ما اعددته يا الله لمحبى اسمك القدوس ، اعلنته للاطفال الصغار الذين لكنيستك المقدسة .

 prepared  by : Elisha Zoxy